أحمد بن محمد مسكويه الرازي
تصدير 36
الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )
وفي سنة 527 استأنف الفرس القتال بحجة بناء حصون دارا وأسوارها ، وكان ذلك في السنة الأولى من حكم يوستنيان ؛ وكانت الهزيمة أولا للروم بقيادة بليساريوس ، القائد الشهير الذي سرعان ما انتقم لنفسه بعد ثلاث سنوات ، غير أنه هزم من جديد في كلينكوم سنة 531 ، وفي هذه السنة عينها توفى قباذ عن اثنين وثمانين عاما . والنص الذي ورد في كتابنا هذا متأثر بهذه الحياة السياسية العنيفة التي حيّها قباذ ؛ فهي مسائل سألها ملك الروم وأجاب عنها كسرى قباذ ؛ وفي هذا إشارة إلى الحروب التي كانت بين كليهما . إنما الغريب حقا هو أن تنسب هذه الأجوبة الحكيمة إليه ، مع أنه لم يعرف بالحكمة كما سيكون ابنه كسرى أنوشروان ؛ بل نقم عليه رجال الدين احتضانه لمذهب مزدك . لهذا نظن نحن أن الذين اخترعوا هذه الأجوبة كانوا من أتباع مزدك ، وأرادوا تمجيد حاميهم هذا ، فأضافوا إليه هذه الأقوال الحكيمة . ( د ) وطبيعي أن نرى أدبا ضخما ينسب إلى كسرى أنوشروان ، « ذي الروح الخالدة » ، والملقب أيضا « دادجر » أي العادل . فقد كان أكبر ملوك الساسانيين ، وكان عهده الزاهر عزيز الذكرى في نفوس الإيرانيين أجمعين ، وبخاصة لدى ذوى النزعات الشعوبية منهم . في عهده استقر الملك ، وامحت البدع ، خصوصا بدع مزدك ومانى ، وتدلنا الرسالة المنسوبة إلى تنسر أن الملك كسرى الأول هذا قد أصبح عمود النظام وقاعدة الخير في رعيته وجنوده ، وهو زينة الأعياد ، وملاذ الخائفين في يوم الفزع ، والملجأ من العدو . فأعاد إلى الملاك الذين نزعت أملاكهم ما كان لهم من أموال ثابتة ومنقولة ؛ وأعاد الحلائل إلى أزواجهن إن كانوا أحياء ، وإن لم يكونوا أحياء أو لم يكن لهن من قبل اختطافهن أزواج ، خيرت المرأة بين أن تبقى مع سابيها الذي اختطفها وبين الانفصال عنه . ورد إلى الأسر النبيلة المنكوبة اعتبارها . وتبنى أبناءها اليتامى . وأصلح خصوصا نظام الضرائب بأن أمر بمسح الأرض المزروعة ، ورتب لها المكوس على نحو عادل ؛ كما أصلح المكوس المفروضة على الأشخاص . ثم أصلح نظام الدولة الإدارى ، ورتب الطبقات في الأمة .